أحمد بن علي القلقشندي
214
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
فإن هذا الشاعر ألقى بيده وأظهر عجزه ، واعترف بقصوره عن شكر برّ هذا الممدوح ، وفطن أنه لو اقتصر على ذلك ، لاحتمل أن يقال له : عجزك عن شكره لا يدل على كثرة برّه لاحتمال أن يكون لضعف مادّتك عن الشكر ، إذ لا يلزم من عجز الإنسان عن شيء تعظيم ذلك الشيء ، ولا بدّ لاحتمال أن يكون العجز لضعف الانسان ، فاحترز عن ذلك بقوله : وما فوق شكري للشّكور مزيد ثم تمم المعنى بأن قال للشّكور للمبالغة في الشكر ، فإن شكورا معدول عن شاكر للمبالغة كما تقدّم ، ثم أظهر عذره في عجزه بأن قال في البيت الذي يليه : ولو كان مما يستطاع استطعته ثم ذيّل هذا المعنى بإخراج بقية البيت مخرج المثل السائر ليكثر دورانه على الألسنة فيحصل تجديد مدح الممدوح كل حين ، والتنويه بذكره في كل زمان ، حيث قال : ولكنّ ما لا يستطاع شديد أما إذا خرجت المبالغة عن حدّ الإمكان ، وجرت مجرى الكذب المحض ، فإنها مذمومة في الشرع وإن كان الشعراء يستبيحون مثل ذلك ولا يتحاشون الوقوع فيه . وقد أخبر تعالى عنهم بالكذب بقوله : * ( أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ وأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ) * ( 1 ) وفي قوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد : ألا كلّ شيء ما خلا اللَّه باطل ( 2 ) إشارة لذلك أيضا .
--> ( 1 ) الشعراء 225 - 226 . ( 2 ) وعجزه : وكل نعيم لا محالة زائل .